الغزالي

186

إحياء علوم الدين

بل إلى المتوكل عليه فقط ، فلا مجال في قلبه لغير المتوكل عليه . وأما الأول فيتوكل بالتكلف والكسب . وليس فانيا عن توكله ، لأن له التفاتا إلى توكله وشعورا به ، وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده . وإلى هذه الدرجة أشار سهل حيث سئل عن التوكل ما أدناه ؟ قال : ترك الأماني ، قيل وأوسطه ؟ قال : ترك الاختيار . وهو إشارة إلى الدرجة الثانية وسئل عن أعلاه فلم يذكره وقال : لا يعرفه إلا من بلغ أوسطه الثالثة : وهي أعلاها ، أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل ، لا يفارقه إلا في أنه يرى نفسه ميتا تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت . وهو الذي قوى يقينه بأنه مجرى للحركة ، والقدرة ، والإرادة ، والعلم ، وسائر الصفات ، وأن كلا يحدث جبرا ، فيكون بائنا عن الانتظار لما يجرى عليه ، ويفارق الصبي ، فإن الصبي يفزع إلى أمه ، ويصيح ، ويتعلق بذيلها ، ويعدو خلفها . بل هو مثل صبي علم أنه وإن لم يزعق بأمه فالأم تطلبه ، وأنه وإن لم يتعلق . بذيل أمه فالأم تحمله ، وإن لم يسألها اللبن فالأم تفاتحه وتسقيه . وهذا المقام في التوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقة بكرمه وعنايته ، وأنه يعطى ابتداء أفضل مما يسئل . فكم من نعمة ابتدأها قبل السؤال والدعاء ، وبغير الاستحقاق ، والمقام الثاني لا يقتضي ترك الدعاء والسؤال منه ، وإنما يقتضي ترك السؤال من غيره فقط . فإن قلت : فهذه الأحوال هل يتصور وجودها فاعلم أن ذلك ليس بمحال ، ولكنه عزيز نادر . والمقام الثاني والثالث أعزها . والأول أقرب إلى الإمكان . ثم إذا وجد الثالث والثاني فدوامه أبعد منه ، بل يكاد لا يكون المقام الثالث في دوامه إلا كصفرة الوجل . فإن انبساط القلب إلى ملاحظة الحول والقوة والأسباب طبع ، وانقباضه عارض . كما أن انبساط الدم إلى جميع الأطراف طبع ، وانقباضه عارض . والوجل عبارة عن انقباض الدم عن ظاهر البشرة إلى الباطن ، حتى تنمحى عن ظاهر البشرة الحمرة التي كانت ترى من وراء الرقيق من ستر البشرة . فإن البشرة ستر رقيق تتراءى من ورائه حمرة الدم ، وانقباضه يوجب الصفرة ، وذلك لا يدوم وكذا انقباض القلب بالكلية عن ملاحظة الحول والقوة وسائر الأسباب الظاهرة لا يدوم . وأما المقام الثاني فيشبه صفرة المحموم ، فإنه قد يدوم يوما ويومين . والأول يشبه صفرة مريض